الجمعة، 9 يناير 2026

لماذا تُجرى التجارب العلمية على الفئران تحديدًا؟ 6 أسباب… وبعض المفاجآت

 في عالم البحث الطبي، العلماء يحتاجون شيء يشبه الإنسان بما يكفي ليعطي إشارات مفيدة، ويكون صغيرًا وسريعًا في التكاثر، ويمكن التحكم في جيناته وبيئته. الفأر—خصوصًا Mus musculus—صار عمليًا “نظام تشغيل” للبيولوجيا الحديثة: قابل للتعديل، متوفر بسلالات معيارية، وله أدوات بحث لا تتوفر بهذا الحجم عند كائنات أخرى. 

1) التشابه الجيني… نعم، لكن ليس كما يُقال في المنشورات

السبب الأول واضح: نحن والفئران نتشارك قدرًا كبيرًا من البنية الوراثية والوظائف الحيوية.

لكن بدل عبارة “97.5% من الجينات نفسها”، الأدق هو التالي:

متوسط التشابه في المناطق المُرمِّزة للبروتين بين الإنسان والفأر يقارب 85% (وهذه المناطق عادة الأكثر ارتباطًا بالوظيفة). 

أما المناطق غير المُرمِّزة، فتشابهها أقل بكثير، وهذا مهم لأن تنظيم الجينات أحيانًا يغيّر النتيجة تمامًا.


الخلاصة التنفيذية (Business takeaway): الفأر يعطيك “إشارات أولية قوية” عن المسارات البيولوجية، لكنه ليس ضمانًا 100% للنتيجة عند البشر. هذا جزء من إدارة المخاطر العلمية.


2) الفأر “مسرّع زمن” بيولوجي: حياة أسرع = بيانات أسرع

الفأر يعيش عادةً حوالي سنتين في ظروف كثيرة، وقد تمتد أكثر حسب السلالة والظروف. 

وهذا يحوّله إلى نموذج ممتاز لدراسة:


  • الشيخوخة وما يرتبط بها
  • تطور بعض الأمراض مع الوقت
  • تأثير التدخلات طويلة الأمد خلال فترة قصيرة نسبيًا


ليس لأن العلماء “مستعجلين”… بل لأن دورة حياة الإنسان طويلة جدًا لتجارب كثيرة.


3) التكاثر السريع وحجم العينة: قوة إحصائية بتكلفة منطقية

من مزايا الفأر العملية:


  • حمل قصير (حوالي 19–21 يومًا) ونضج سريع نسبيًا، ما يسمح ببناء أجيال تجريبية بسرعة. 
  • صغير الحجم وسهل الإيواء مقارنة بحيوانات أكبر، ما يجعل الدراسات واسعة النطاق ممكنة ماليًا وتشغيليًا. 


الخلاصة: عندما يحتاج الباحث “عددًا كافيًا” للوصول لنتائج موثوقة، الفأر غالبًا أفضل خيار ضمن ميزانية واقعية.


4) الفأر هو بطل الهندسة الوراثية: CRISPR وما قبلها وما بعدها

الفئران ليست فقط “متشابهة”، بل قابلة للتخصيص بشكل مذهل:


سلالات “نقية” (inbred) تقلل التباين بين الأفراد فتزيد وضوح النتائج. 

سهولة إنشاء نماذج لأمراض معينة عبر تعديل جينات محددة (Knockout/Knock-in)، ما يجعلها مختبرًا حيًا لفهم سبب المرض وليس فقط وصفه.


هذه ميزة استراتيجية: أنت لا تراقب المرض فقط، بل “تفكّه” إلى أسباب ومسارات.


5) “الفئران المؤنسنة”: عندما يصبح لدى الفأر جهاز مناعي/خلايا بشرية

هنا الجزء الذي يبدو خيالًا علميًا… لكنه حقيقي ضمن حدود دقيقة:

الفأر المؤنسن (Humanized mouse) غالبًا يكون فأرًا ضعيف المناعة يتم “إعادة بنائه” بخلايا/أنسجة بشرية ليحاكي جوانب من الاستجابة البشرية. 


لماذا هذا مهم؟


  • لأن بعض مسببات الأمراض البشرية لا تعمل جيدًا في القوارض العادية.
  • فتأتي الفئران المؤنسنة كـ “جسر قبل سريري” لاختبار الفيروسات/الأدوية/اللقاحات ضمن بيئة أقرب للبشر. 
  • وهناك أبحاث على نماذج ثنائية “كبد بشري + جهاز مناعي بشري” تساعد في دراسة عدوى مشتركة مثل HBV وHIV. 

مهم جدًا: هذا لا يعني أن الفأر “صار إنسانًا”، بل أنه يحمل مكوّنات بشرية محددة لأغراض بحثية محددة.


6) “سيكولوجيا الفئران”: تشابه سلوكي… لكن بدون مبالغة

هل الفئران اجتماعية؟ نعم، وبقوة. هل نستطيع “تشخيص” الاكتئاب عند الفأر؟ لا بنفس معنى التشخيص البشري.

الدقيق هو: العلماء يدرسون سلوكيات شبيهة بالاكتئاب/القلق عبر نماذج معروفة، مثل نموذج الضغط الاجتماعي المزمن (Chronic Social Defeat Stress) الذي يُظهر أنماطًا سلوكية وفسيولوجية مرتبطة بالاكتئاب والقلق. 

وفي الإدمان: القوارض تُستخدم على نطاق واسع في نماذج “التعاطي الذاتي” لفهم الاعتمادية وآلياتها. 

وفي السلوك الاجتماعي/التعاطف: توجد دراسات تبحث “سلوكيات مساعدة/تفاعل اجتماعي” عند القوارض، مع نقاش علمي حول تفسيرها (تعاطف فعلي أم اهتمام اجتماعي… إلخ).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق