الجمعة، 9 يناير 2026

لماذا جرينلاند هاجسٌ تاريخي لأمريكا؟ القصة الحقيقية من الفايكنغ إلى ترامب والقطب الشمالي

 في عالمٍ يُدار بالموقع قبل الشعارات، جرينلاند ليست تفصيلة جغرافية… هي قطعة “بنية تحتية استراتيجية” مزروعة في قلب الشمال. ولأن الولايات المتحدة تنظر للأمن القومي كمنظومة إنذار مبكر، مسارات صواريخ، قواعد رصد، وطرق إمداد—فجرينلاند بالنسبة لها ليست “جزيرة دنماركية لطيفة”، بل طبقة دفاع متقدمة.


لكن قبل أن نصل إلى ترامب وتصريحاته الصاخبة، خلّينا نعيد بناء القصة بشكل نظيف: ما الذي نعرفه تاريخيًا؟ وما الذي هو “تهويل فيسبوكي”؟ وما الذي تغيّر اليوم مع صعود أهمية القطب الشمالي؟


1) جرينلاند بالأرقام: لماذا تبدو “مفارقة” سياسية؟

  • جرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم (ليست قارة)، ومساحتها تقارب 2.17 مليون كم².
  • بينما مساحة الدنمارك (الجزء الأوروبي الأساسي) تقارب 43 ألف كم².

يعني نعم: الجزيرة أكبر من الدنمارك بحوالي 50 مرة تقريبًا—وهذا يخلق مفارقة: دولة صغيرة في أوروبا تملك إقليمًا هائلًا في أمريكا الشمالية/القطب الشمالي.


والمسافة بين كوبنهاغن (الدنمارك) ونووك (عاصمة جرينلاند) تقارب 3,550 كم تقريبًا.

هذا وحده يشرح لماذا تظهر جرينلاند لكثيرين كـ “استثناء تاريخي” أكثر من كونها ترتيبًا طبيعيًا.


2) الخلفية التاريخية: من الفايكنغ إلى السيادة الدنماركية

القصة تبدأ مع الاستيطان النورسي (الفايكنغ) في جرينلاند منذ قرون، ثم تعاقبت تحولات السيادة في شمال الأطلسي. المهم عمليًا: السيادة الحديثة استقرت لصالح الدنمارك، وأصبحت جرينلاند “مستعمرة دنماركية رسميًا” بعد ترتيبات القرن التاسع عشر (بعد 1814 تحديدًا).


وبمرور الوقت، تطورت جرينلاند من نموذج “مستعمرة” إلى نموذج “حكم ذاتي” داخل المملكة الدنماركية—مع حساسية سياسية دائمة حول الهوية والاستقلال، لأن أغلبية السكان من خلفية إنويت (والتعبير الأدق هو “الإنويت”، وليس “إسكيمو”).


3) لماذا بدأت أمريكا ترى جرينلاند كـ “ثقب أمني”؟

قبل اكتشافات القرن العشرين العسكرية، كانت جرينلاند تبدو “بعيدة، باردة، قليلة السكان”. لكن مع تطور الطيران ثم الصواريخ ثم الرادارات بعيدة المدى، تحولت جرينلاند إلى شيء آخر تمامًا:


  • هي أقرب “منصة مراقبة” طبيعية بين أمريكا الشمالية وروسيا عبر القطب.
  • وهي تقع في مسار منطقي لعبور القاذفات/الصواريخ في سيناريو حرب كبرى.
  • وهي كذلك عقدة محتملة للاتصالات والرصد في شمال الأطلسي.


لهذا لم يكن غريبًا أن تصفها رويترز في سياق التحليل الأمني بأنها “security black hole” (ثقب أمني/فراغ مراقبة) بالنسبة لأمريكا إن لم تُدار دفاعيًا بشكل كافٍ.


4) الحرب العالمية الثانية: هل “احتلت” أمريكا جرينلاند؟

هنا أكثر نقطة يحصل فيها لخبطة.


ألمانيا احتلت الدنمارك عام 1940.


فخافت واشنطن أن تتحول جرينلاند إلى نقطة تموضع ألمانية تهدد شمال الأطلسي.


وفعليًا: حصل وجود/سيطرة عسكرية أمريكية واسعة في جرينلاند خلال الحرب.


لكن الدقة القانونية مهمة: وكالة AP تذكر أن الولايات المتحدة احتلت جرينلاند 1941–1945، ولكن ذلك كان عبر اتفاق مع حكومة الدنمارك في المنفى وباعترافٍ بسيادة الدنمارك.


والاتفاق الدفاعي لعام 1941 موثق أيضًا في وثائق وزارة الخارجية الأمريكية (FRUS).


الخلاصة: نعم كان نفوذًا عسكريًا أمريكيًا كبيرًا على الأرض، لكن تسميته “غزوًا عدائيًا” بلا سند ليست دقيقة. الأدق: ترتيب دفاعي فرضته ظروف الحرب بمظلة اتفاق.


5) عرض ترومان 1946: محاولة شراء “بالذهب”

بعد الحرب لم تختفِ القيمة الاستراتيجية. بالعكس: بدأت الحرب الباردة تتشكل.


وهنا تأتي واحدة من أكثر الحقائق توثيقًا في القصة:

الرئيس الأمريكي هاري ترومان عرض عام 1946 شراء جرينلاند مقابل 100 مليون دولار (ذهب)، والدنمارك رفضت.


هذا يوضح أن فكرة “شراء جرينلاند” ليست اختراع ترامب، بل لها سوابق على مستوى رئاسة الولايات المتحدة.


6) اتفاق 1951 وقاعدة ثول… ثم “بيتوفيك” اليوم

بدل أن تشتريها أمريكا، حصل نموذج “حل وسط” عملي: وجود أمريكي مستمر ضمن ترتيبات دفاعية.


عام 1951 تم توقيع اتفاق دفاعي أعطى إطارًا للتعاون والوجود الأمريكي في جرينلاند ضمن منظومة شمال الأطلسي.


ومن أبرز الرموز العسكرية في الجزيرة “قاعدة ثول”، والتي أعيدت تسميتها رسميًا إلى Pituffik Space Base في 2023.


وهنا نصل إلى لبّ الموضوع: جرينلاند ليست “أرض موارد فقط”، بل أرض مراقبة ورصد فضائي/صاروخي أيضًا.


7) طيب… لماذا عاد الملف بقوة في زمن ترامب وما بعده؟

هنا لازم نقرأها بعقلية “إدارة مخاطر” وليس “دراما شخصية”.


(أ) القطب الشمالي صار مسرح منافسة كبرى

الاحترار العالمي لا يذيب الجليد فقط؛ هو يفتح احتمالات:

  • مسارات شحن أقصر في بعض المواسم.
  • تنافس على النفوذ والموارد في الشمال.
  • سباق قواعد/رصد/كابلات واتصالات.


(ب) جرينلاند هي “بوابة الإنذار المبكر”

إذا كنت تدير دفاعًا قاريًا، فإنك لا تحب “الفراغات”. وجرينلاند من أهم نقاط سدّ الفراغ في شمال الأطلسي/القطب. (وهذا جوهر فكرة “الثقب الأمني” المذكورة).


(ج) الموارد والمعادن: عامل مهم لكن ليس وحده

نعم تُذكر موارد ومعادن واهتمام دولي، لكن كثير من النقاش الأمريكي يدور حول “طبقة دفاع” قبل “منجم”.


8) أين يقف ترامب تحديدًا؟

ترامب أعاد الفكرة إلى السطح كـ “صفقة” صريحة: شراء/ضم/سيطرة. ومع تصاعد التوترات العالمية، ظهر خطاب أمريكي يعتبر أن الدنمارك “لا تملك القدرات الكافية” لإدارة الملف الدفاعي وحدها.


الأهم من الكلام العام: في تغطية حديثة جدًا (يناير 2026)، رويترز تتحدث عن دفع متجدد لوضع جرينلاند تحت السيطرة الأمريكية، وأن داخل جرينلاند توجد أصوات تدعو لحوار مباشر مع واشنطن دون كوبنهاغن، بينما تؤكد حكومة جرينلاند أن الدنمارك مسؤولة عن الخارجية والدفاع وأن تجاوزها غير قانوني.


يعني نحن لسنا أمام “خبر قديم من 2019” فقط؛ الملف يتحرك سياسيًا وإعلاميًا اليوم أيضًا.


9) وماذا عن سكان جرينلاند والدنمارك؟ الصورة ليست أبيض/أسود

أكبر خطأ في أي محتوى “ترند” هو التعامل مع جرينلاند كأنها أرض بلا ناس.


جرينلاند لديها مسار سياسي داخلي معقد:


  • هوية إنويت قوية.
  • رغبة لدى جزء من المجتمع في مزيد من الاستقلال، لكن…


هناك واقع اقتصادي حساس: حكومة جرينلاند تعتمد بدرجة معتبرة على منحة سنوية من الدنمارك (block grant)، ما يجعل الاستقلال قرارًا له كلفة مباشرة على الخدمات والوظائف والبنية التحتية.


11) السيناريوهات الواقعية القادمة: ماذا قد يحدث؟

بدون خيال هوليوود ولا رعب فيسبوك، السيناريوهات الأكثر منطقية “تشغيليًا” هي:


  • تعميق الوجود الدفاعي الأمريكي ضمن الاتفاقيات القائمة أو تحديثها (أسهل سياسيًا).
  • حزمة استثمارات/بنية تحتية تزيد اعتماد جرينلاند على واشنطن اقتصاديًا بدل كوبنهاغن (نفوذ بدون ضم).
  • شدّ حبل دبلوماسي داخل الناتو حول من يدفع ومن يضع القوات ومن يملك القرار.
  • تصاعد خطاب “الاستحواذ” كأداة ضغط تفاوضي أكثر من كونه خطة غزو (إلى أن يظهر العكس بأدلة صلبة).


أما “احتلال بالقوة” اليوم، فهو ليس مستحيلًا نظريًا في عالم مجنون، لكنه ليس خيارًا “منخفض التكلفة” سياسيًا ولا قانونيًا داخل منظومة الناتو، ولذلك يبقى غالبًا في خانة التصعيد الخطابي/السيناريوهات القصوى، لا الخطة الواقعية اليومية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق