القصة المنسية لجيف راسكن: الأب الحقيقي للماك الذي أراد التخلص من "الماوس"!
كلما تذكرنا حاسوب "ماكنتوش" الأول، يقفز إلى أذهاننا فوراً اسم ستيف جوبز، لكن الحقيقة التقنية والتاريخية تقول إن الأب الروحي وصاحب الفكرة الأصلية لهذا الجهاز هو مهندس وعالم حاسوب يُدعى "جيف راسكن".
قصة راسكن هي واحدة من أروع قصص وادي السيليكون؛ قصة رجل مهووس بتبسيط التكنولوجيا، رأى أن الحواسيب معقدة أكثر من اللازم، فحاول تغيير قواعد اللعبة إلى الأبد.
الكمبيوتر يجب أن يكون مثل جهاز التحميص! في أواخر السبعينيات، كان راسكن يعمل في شركة أبل، وكانت أجهزة الكمبيوتر في ذلك الوقت (مثل أبل 2) موجهة بشكل أساسي للمبرمجين والهواة المتخصصين. كانت شاشات سوداء مليئة بالأكواد المعقدة.
لم يعجب هذا الوضع راسكن؛ فكان يرى أن الكمبيوتر يجب أن يكون أداة منزلية بسيطة، تستخدمها لغرض محدد وسريع، تماماً مثل "محمصة الخبز" (Toaster). من هنا، أطلق راسكن داخل أبل مشروعاً جديداً أسماه "ماكنتوش" (على اسم نوع التفاح المفضل لديه)، وكان هدفه صنع حاسوب رخيص، مدمج، وموجه لعامة الناس الذين لا يعرفون شيئاً عن البرمجة.
الخلاف الكبير: كيف نتفاعل مع الشاشة؟ رغم أن أفكار راسكن كانت البذرة التي قام عليها الماكنتوش، إلا أن رؤيته لـ "واجهة المستخدم" (User Interface) كانت مختلفة تماماً عما أصدرته أبل لاحقاً.
كان راسكن يكره "فأرة التحكم" (الماوس)! كان يعتقد أن إجبار المستخدم على رفع يده عن لوحة المفاتيح للإمساك بالماوس هو تضييع للوقت وتشتيت للتركيز. رؤيته كانت تعتمد على واجهة نصية ذكية تعتمد كلياً على اختصارات لوحة المفاتيح وتقنية "التقريب" (Zooming) للوصول إلى المعلومات. لكن ستيف جوبز تدخل في المشروع، وفرض رؤيته الخاصة التي تعتمد على الماوس والأيقونات ونوافذ سطح المكتب (Desktop Metaphor). وهنا، قرر راسكن الاستقالة من أبل ليطارد حلمه الخاص.
الفرصة الثانية: حاسوب "كانون كات" (Canon Cat) لم يستسلم راسكن. في عام 1987، تعاون مع شركة "كانون" اليابانية ليطلق حاسوباً يجسد رؤيته الأصلية بنسبة 100%، وأسماه "كانون كات" (Canon Cat).
كان الجهاز عبارة عن شاشة ولوحة مفاتيح مدمجة، مصمم خصيصاً للكُتّاب والصحفيين والمفكرين. لم يكن فيه ماوس، ولا أيقونات، ولا حتى نظام تشغيل تقليدي يطلب منك حفظ الملفات. بمجرد تشغيل الجهاز، تبدأ بالكتابة فوراً. وللبحث أو التنقل بين النصوص، ابتكر راسكن مفاتيح خاصة أسماها (Leap Keys) تتيح لك القفز إلى أي كلمة في المستند في أجزاء من الثانية دون إبعاد أصابعك عن لوحة المفاتيح.
رغم أن الجهاز كان ثورة في مفهوم "تجربة المستخدم" (UX)، إلا أنه لم يحقق نجاحاً تجارياً، ويرجع ذلك جزئياً لضعف التسويق ولأن العالم كان قد بدأ يقع في غرام الماوس ونظام النوافذ الذي قدمته أبل ومايكروسوفت.
المحاولة الأخيرة: من الهاردوير إلى السوفتوير بعد تجربة كانون كات، أدرك راسكن أن بناء أجهزة (هاردوير) جديدة مكلف ومحفوف بالمخاطر، فقرر تحويل فلسفته إلى "سوفتوير". أسس مشروعاً لتطوير محرر نصي يحمل اسم (Archy)، يهدف إلى تطبيق أفكاره حول واجهات الاستخدام الإنسانية (Humane Interfaces) على أجهزة الكمبيوتر العادية، بحيث يمكن للمستخدم تنفيذ أي أمر بكتابته مباشرة دون الحاجة للبحث في قوائم معقدة.
رحل جيف راسكن عن عالمنا في عام 2005، ورغم أن حواسيبه لم تسيطر على الأسواق، إلا أن فلسفته في تصميم "واجهات مستخدم تخدم الإنسان ولا ترهقه" أصبحت اليوم من أهم أسس علم تجربة المستخدم (UX Design) التي تدرسها كبرى الشركات التقنية.
تعليقات
إرسال تعليق