الإنترنت قبل الإنترنت: قصة "تيليتيكست" و"مينيتيل".. يوم كانت الشاشات تتحدث!
عندما نتحدث عن تصفح الأخبار، معرفة حالة الطقس، أو حتى حجز تذاكر السفر عبر الشاشات، يقفز إلى أذهاننا فوراً مصطلح "الويب" (WWW) الذي ظهر في التسعينيات. لكن الحقيقة التقنية المدهشة هي أن محاولات ربط الناس بالمعلومات رقمياً بدأت قبل ذلك بكثير.
في سبعينيات القرن الماضي، وبينما كانت أجهزة الكمبيوتر الشخصية مجرد خيال علمي للكثيرين، ظهرت تقنيتان سابقتان لعصرهما: "تيليتيكست" (Teletext) التي حولت التلفاز إلى جريدة إلكترونية، و"مينيتيل" (Minitel) التي منحت الفرنسيين شبكة إنترنت محلية قبل أن يعرف العالم الإنترنت!
تيليتيكست (Teletext): التلفاز الذي تقرأه بدلاً من أن تشاهده في بداية السبعينيات، ابتكر مهندسون في بريطانيا طريقة ذكية جداً لاستغلال "الفراغ" الموجود في إشارات البث التلفزيوني العادية (تلك الخطوط السوداء التي لا نراها بين إطارات الصورة). قاموا بتضمين نصوص مكتوبة ورسومات بسيطة جداً (أشبه بمربعات الليغو) داخل هذا الفراغ.
النتيجة؟ باستخدام جهاز تحكم التلفاز (الريموت)، كان بإمكان المشاهد إدخال رقم صفحة معينة (مثلاً صفحة 101 للأخبار، أو 300 للرياضة) لتظهر أمامه شاشة سوداء مليئة بنصوص ملونة بالأحمر، الأخضر، والأزرق.
ما الذي يميز تيليتيكست؟
بث باتجاه واحد (One-Way): هي تقنية غير تفاعلية. أنت تتلقى المعلومات التي تبثها القناة فقط، ولا يمكنك إرسال أي بيانات أو طلب معلومات غير موجودة في دورة البث.
الناجي الأخير: رغم بدائيتها الشديدة مقارنة بالهواتف الذكية اليوم، والموت السريري للتقنية في بريطانيا ومعظم دول العالم، إلا أن الـ "تيليتيكست" يرفض الانقراض! لا تزال هذه التقنية تعمل وتحظى بملايين المتابعين يومياً في دول مثل ألمانيا والسويد، حيث يفضلها كبار السن، ومحبو الأخبار السريعة والمختصرة الخالية من الإعلانات المزعجة.
مينيتيل (Minitel): المعجزة الفرنسية السابقة لعصرها بينما كان العالم يقرأ النصوص عبر التلفاز في اتجاه واحد، قررت فرنسا في أواخر السبعينيات (وبشكل رسمي في 1982) أن تأخذ خطوة أجرأ بكثير.
بدلاً من طباعة ملايين النسخ من دليل الهاتف الورقي المكلف، قامت هيئة الاتصالات الفرنسية بتوزيع أجهزة طرفية صغيرة مجانية (شاشة ولوحة مفاتيح) على المواطنين لربطهم بخطوط الهاتف. هذا الجهاز الصغير كان يُدعى "مينيتيل".
لماذا كان مينيتيل ثورة حقيقية؟
تفاعلي وباتجاهين (Two-Way): على عكس تيليتيكست، كان مينيتيل شبكة تفاعلية حقيقية. لم يكن المستخدمون يقرؤون دليل الهاتف فحسب، بل صاروا قادرين على حجز تذاكر القطارات، التحقق من حساباتهم البنكية، قراءة الأخبار، بل وحتى الدخول في غرف دردشة حية مع مستخدمين آخرين!
نجاح ساحق: حققت الشبكة نجاحاً مدوياً، وفي ذروتها بالتبعينيات، كانت ملايين الأجهزة تعمل في المنازل الفرنسية، وظهرت آلاف الخدمات التجارية عليها، مما خلق "اقتصاداً رقمياً" فرنسياً مستقلاً تماماً عن أمريكا.
النهاية: استمر مينيتيل في العمل بصمود عجيب حتى مع ظهور الإنترنت الحديث، ولم تُغلق خوادمه في فرنسا بشكل نهائي إلا في عام 2012، لتنطوي صفحة واحدة من أعظم الشبكات الوطنية في تاريخ التقنية.
الإرث الذي تركوه لنا اليوم، عندما نتصفح مواقع الويب، يجب أن نتذكر أن "مينيتيل" كان أول من علمنا أن الشاشات يمكن أن تكون بوابات للخدمات والتجارة الإلكترونية، وأن "تيليتيكست" كان أول من أثبت أن المستخدم يريد الأخبار المكتوبة في غرفات جلوسه وفور حدوثها. لقد كانتا بحق الحجر الأساس الذي بُني عليه عالمنا الرقمي المتصل اليوم.
تعليقات
إرسال تعليق